مجمع البحوث الاسلامية

478

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أقول : والرّوايات كما ترى يعدّ ضرب القرآن بعضه ببعض مقابلا لتصديق بعض القران بعضا ، وهو الخلط بين الآيات من حيث مقامات معانيها ، والإخلال بترتيب مقاصدها ، كأخذ المحكم متشابها ، والمتشابه محكما ، ونحو ذلك . فالتّكلّم في القرآن بالرّأي ، والقول في القرآن بغير علم ، كما هو موضوع الرّوايات المنقولة سابقا ، وضرب القرآن بعضه ببعضه ، كما هو مضمون الرّوايات المنقولة آنفا ، يحوم الجميع حول معنى واحد ، وهو الاستمداد في تفسير القرآن بغيره . فإن قلت : لا ريب أنّ القرآن إنّما نزل ليعقله النّاس ويفهموه ، كما قال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ الزّمر : 41 ، وقال تعالى : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ آل عمران : 138 ، إلى غير ذلك من الآيات . ولا ريب أنّ مبيّنه هو الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، كما قال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ النّحل : 44 ، وقد بيّنه للصّحابة ، ثمّ أخذ عنهم التّابعون ، فما نقلوه عنه صلّى اللّه عليه واله إلينا فهو بيان نبويّ ، لا يجوز التّجافي والإغماض عنه بنصّ القرآن ، وما تكلّموا فيه من غير إسناده إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فهو وإن لم يجر مجرى النّبويّات في حجّيّتها ، لكنّ القلب إليه أسكن ، فإنّ ما ذكروه في تفسير الآيات ، إمّا مسموع من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أو شيء هداهم إليه الذّوق المكتسب ، من بيانه وتعليمه صلّى اللّه عليه وآله ، وكذا ما ذكره تلامذتهم من التّابعين ومن يتلوهم ، وكيف يخفى عليهم معاني القرآن مع تعرّقهم في العربيّة ، وسعيهم في تلقّيها من مصدر الرّسالة ، واجتهادهم البالغ في فقه الدّين ، على ما يقصّه التّاريخ من مساعي رجال الدّين في صدر الإسلام . ومن هنا يظهر : أنّ العدول عن طريقتهم وسنّتهم ، والخروج من جماعتهم ، وتفسير آية من الآيات بما لا يوجد بين أقوالهم وآرائهم بدعة ، والسّكوت عمّا سكتوا عنه واجب . وفي ما نقل عنهم كفاية لمن أراد فهم كتاب اللّه تعالى ، فإنّه يبلغ زهاء ألوف من الرّوايات ، وقد ذكر السّيوطيّ أنّه أنهاه إلى سبعة عشر ألف رواية عن النّبيّ وعن الصّحابة والتّابعين . قلت : قد مرّ فيما تقدّم أنّ الآيات الّتي تدعو النّاس عامّة من كافر أو مؤمن ، ممّن شاهد عصر النّزول ، أو غاب عنه ، إلى تعقّل القرآن وتأمّله ، والتّدبّر فيه وخاصّة قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً النّساء : 82 ، تدلّ دلالة واضحة على أنّ المعارف القرآنيّة يمكن أن ينالها الباحث بالتّدبّر والبحث ، ويرتفع به ما يترائى من الاختلاف بين الآيات ، والآية في مقام التّحدّي ، ولا معنى لإرجاع فهم معاني الآيات - والمقام هذا المقام - إلى فهم الصّحابة وتلامذتهم من التّابعين حتّى إلى بيان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّ ما بيّنه إمّا أن يكون معنى يوافق ظاهر الكلام ، فهو ممّا يؤدّى إليه اللّفظ ، ولو بعد التّدبّر والتّأمّل والبحث . وإمّا أن يكون معنى لا يوافق الظّاهر ، ولا أنّ الكلام يؤدّي إليه ، فهو ممّا لا يلائم التّحدّي ولا تتمّ به الحجّة ، وهو ظاهر .